المرتزقة فوق القانون



بوضع الشركات الأمنية المتعاقدة مع وزارة الدفاع الأمريكية، مثل بلاك ووتر وغيرها من شركات المرتزقة، تحت إشراف وزارة الخارجية، تحاول الولايات المتحدة مسح جانب من الجرائم التى ارتكبها هؤلاء المرتزقة فى العراق والتى أدت الى مقتل عدد لا يحصى من الضحايا الأبرياء.

ومع ذلك فان هؤلاء المرتزقة ما يزالون يحضون بالحصانة إزاء كل ما قد يرتكبونه من جرائم فى المستقبل. فاشراف وزارة الخارجية على نشاطات شركات المرتزقة لا يعدو كونه محاولة لطى صفحة جرائم مفضوحة وفتح صفحة جديدة تكون كل المسؤولية خلالها مجرد توصيات غير ملزمة حول قواعد إطلاق النار، وليس المحاسبة القانونية على الجرائم.

ووفقا لتقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" مؤخرا فقد حصل الحراس العاملون لدى شركة بلاك ووتر والذين يقومون بحماية مسؤولى وزارة الخارجية الامريكية فى العراق، على حصانة محدودة الاستخدام، وذلك فى اعقاب التحقيق الذى أجراه مكتب الأمن الدبلوماسي، وهو الإدارة المسؤولة عن التحقيقات فى الوزارة.

ونقل التقرير عن مسؤولين مقربين من التحقيق لم يكشف عن هوياتهم ان المدعين فى وزارة العدل، وليس محققو مكتب الامن الدبلوماسي، هم الذين يملكون سلطة منح هذا النوع من الحصانة، لكن الجهة الأولى ليست على علم بترتيبات مكتب الامن الدبلوماسي.

وأوضح المسؤولون للصحيفة أن الحصانة محددة الاستخدام تعنى ان حراس الامن وعدوا بانهم لن يتعرضوا للمحاكمة بناء على أى شيء قالوه فى المقابلات التى اجرتها السلطات معهم ما دامت تصريحاتهم حقيقية، وهو أمر كان يعنى من الناحية العملية إعفاءهم من عواقب الجرائم التى ارتكبوها فى العراق. فطالما هم يقولون الحقيقة، فانهم لن يعاقبوا لا الآن ولا فى المستقبل.

وكان مكتب التحقيقات الفيدرالى تسلم القضية من وزارة الخارجية فى 3 اكتوبر-تشرين الأول الماضى وبدأ باعادة المقابلات مع موظفى شركة بلاك ووتر بدون اى حصانة لتجميع الأدلة بشكل مستقل عن احتمال حدوث أى أخطاء.

وتعد شركة بلاك ووتر مقاولا عسكريا رئيسيا وتقدم الخدمات الامنية الى الحكومة الامريكية فى العراق, وفتح حراسها النار فى ميدان مزدحم ببغداد خلال قيامهم بحراسة ركب تابع لوزارة الخارجية، ما أسفر عن مقتل 17 مدنيا عراقيا فى 16 سبتمبر-أيلول الماضى.

ولا يمكن محاكمة موظفى بلاك ووتر والمرتزقة الآخرين فى المحاكم العسكرية الامريكية او فى المحاكم العراقية، ويقال ان القوانين الجنائية الأمريكية لا تغطى الجرائم التى ترتكب فى مناطق الحرب. وهذا يعنى ان المرتزقة يملكون ترخيصا بقتل أى عدد من البشر من دون ان يقعوا تحت طائلة أى قانون.

وبموجب عقود توظيفهم، فان هؤلاء المرتزقة هم قتلة محترفون خارج سلطة أى قانون.

وفى وقت سابق من الشهر الماضى وافق مجلس النواب بأغلبية ساحقة على مشروع قانون يجعل المقاولين مثل بلاك ووتر مسؤولين أما يعرف ب"قانون الاختصاص العسكرى خارج نطاق أراضى الوطن"، إلا قيود تطبيق هذا القانون تجعل من المستحيل تقديم أى احد الى المحاكمة بالنظر الى تعذر الحصول على شهادات وأدلة تكفى لإيقاع العقوبة على أى متهم.

والحقيقة، فان الموقف الذى أدى الى فضيحة بلاك ووتر الأخيرة، كانت له جذور عميقة أكثر من ذلك الحادث المروع، فبلاك ووتر ليست مجرد شركة عابرة فى أعمال القتل المنظم التى يقودها البنتاغون، بل أنها الأولى فى حماية مسؤولى وزارة الخارجية فى العراق مثل السفير رايان كروكر.

وهذه الشركة كانت نشطة فى العراق منذ أول أيام الاحتلال وحصلت على صفقة بـ 27 مليون دولار لحماية السفير السابق بول بريمر وأثناء عهده فى العراق كانت بلاك ووتر تحارب باستمرار وانتظام وتقتل الناس فى حوادث كثيرة وحوالى 30 من جنودها قتلوا فى العراق ولم يشمل عددهم الاحصائى الرسمى لقتلى الأمريكيين فى العراق.

بينما جنود الشركة المرتزقة محظوظون براتب ضخم من مئات الملايين من الدولارت من أموال دافعى الضرائب فى أمريكا التى تم تخصيصها لهذه الشركة، فما فعلوه فى العراق. يحدث باسم الشعب الأمريكى ولا يوجد إشراف فعال على أفعالها ولا مساءلة قانونية لقواتها لأى جرائم مرتكبة ضد العراقيين.

إذا قتل مواطنون عراقيون على يد بلاك ووتر فعلاً، فإن مسؤولية ما حدث لا تقع فقط على مرتكبى تلك الجريمة الشنعاء أو على الشركة، بل على الكيان الذى استأجرهم وسمح لهم بالعمل بكامل العتاد والسلاح داخل العراق ـ فى تلك الحالة الإدارة الأمريكية.

وبينما ركزت مانشيتات الصحف على حادثة واحدة لإطلاق النار والقتلى تلك التى جرت فى سبتمبر أيلول، لكن لا يجب أن نعزل الحادثة عن مثيلاتها، فهى ليست شركة مارقة أو لديها أفراد مارقون ومنشقون، بل الأمر يخص نظاما غير مسؤول به قوى خرجت عن نطاق التحكم حولت العراق إلى أرض خراب وعنف منذ بداية الاحتلال، تحت مظلة الشرعية للحكومة الأمريكية.

ما يحدث من أعمال قتل هو جزء من نمط قاتل ليس فى سلوك بلاك ووتر فقط بل كل جيش المرتزقة من الذين هبطوا على العراق خلال 4 سنوات ماضية. لقد تصرفوا مثل رعاة البقر ويطاردون كل العراقيين كقطيع الغنم ويطلقون الرصاص دون تمييز على السيارات وفى بعض الحالات ظهرت القوات الخاصة وهى تتدرب على العراقيين كأهداف حية.

لم يهتموا بحياة العراقيين وأنهم أشاعوا العنف فى البلاد وليس ضد شعب العراق فقط بل ضد الجنود الرسميين للجيش الأمريكى فى شكل عمليات انتقامية وهجمات انتحارية دافعها سوء سلوك المرتزقة. هذه القوات الخاصة عملت فى مناخ يظله عدم العقوبة والحصانة معًا.

الجنود فى حالة التأهب فى الدوريات ممن ارتكبوا جرائم مشينة وسوء سلوك تتم مساءلتهم قانونيًا تحت طائلة القانون العسكرى ونظام القضاء العسكرى فى محاكمة عسكرية، وهناك عشرات القضايا المماثلة ضد 64 جنديا و 64 محاكمة عسكرية جرائم قتل كاتهامات موجهة لهم فى العراق فقط.

لم يحدث ذلك مع المرتزقة. على الرغم من وجود عدة تقارير من بعض قادة الجيش الأمريكى عن إطلاق النار العشوائى من جانب القوات المرتزقة على العراقيين والسيارات وقتل المدنيين، لم يتم اتهام أو محاكمة أى جندى منهم على الجرائم المنسوبة له.

وفقًا للقانون المدنى والعسكرى الأمريكى وحظرت إدارة بوش محاكمتهم فى المحاكم العراقية وفقًا لقانون حظر السلطة الائتلافية رقم 17 فى 2004. هذا يرسل رسالة للعراقيين بأن المرتزقة فوق القانون.

قيل ان المرتزقة الأمريكيين فى العراق لديهم شعار خاص: "ما يحدث اليوم هنا يظل دائماً" وهذا مرعب لمن يؤمن بالشفافية والمسؤولية للعمليات الأمريكية والأنشطة التى يدفع لها من يسددون ضرائبهم ـ وهذا يغفل ذكر حقوق العراقيين ممن سقطوا ضحايا لهذه الحوادث وحرموا من أى شكل من أشكال العدالة.

تقول الحكومة العراقية ان هناك دلائل على 7 حوادث مشابهة على الأقل لحادث سبتمبر قامت بها بلاك ووتر، ومن الضرورى أن يطالب الكونغرس بالحصول على هذه المعلومات عن هذه الحوادث من السلطات العراقية.

ما نعرفه أنه فى خلال التسعة شهور الماضية قامت بلاك ووتر بعدة جرائم وحوادث دموية، وكما ذكرت بعض الشهادات فإنه فى آخر كريسماس قتل جندى من بلاك ووتر فى غير وقت دوريته أو خدمته أحد حراس نائب الرئيس العراقى وقامت بلاك ووتر بتهريب هذا الجندى خارج العراق، وأطلق مسؤولو العراق على تلك الحادثة "جريمة قتل" وأجرت تحقيقات خاصة عن عدم وجود أى عواقب لمحاكمة هذا الجندى وقالت بلاك ووتر إنها فصلت هذا الجندى وهى تتعاون مع القضاء الأمريكي، وحسب معلوماتنا لم يكن هناك أى تهم فى هذه القضية.

فى مايو-أيار الماضى اشترك جنود بلاك ووتر فى تبادل إطلاق النار فى بغداد لمدة ساعة وسحبوا من قوات الجيش الأمريكى والقوات العراقية وقيل ان 4 عراقيين مدنيين قد قتلوا حتى الآن من جراء ذلك، وفى اليوم التالى فى نفس المنطقة تقريبًا قيل ان جنود الشركة قتلوا سائقا عراقيا بالقرب من وزارة الداخلية، وفى هذه الفوضى الناتجة عن تلك الحوادث رفض جنود بلاك ووتر الإدلاء بأسمائهم وتفاصيل الحوادث للشرطة العراقية مما تسبب فى تجميد العلاقات بين القوات العراقية والأمريكية وكلاهما كان مسلحا بالمسدسات والبنادق.

أفعال هذه الشركة وربما أكثر من غيرها من المرتزقة فى الاحتلال، كانت تتسبب طوال الوقت فى تصاعد العنف والتوتر والقتل والدمار فى العراق ـ منذ حصار الفلوجة وعمل كمين لرجالها هناك فى مارس-آذار 2004، وحتى قتل قوات بلاك ووتر للعراقيين فى النجف وتصوير أحد الجنود لما حدث فى شريط فيديو وكأنه يمهد لوقائع أفظع وأكثر دموية.

وصف الكولونيل توماس هامز الذى كان يشرف فى الجيش الأمريكى على تأسيس الجيش العراقى الجديد ما حدث بين العراقيين وجنود بلاك ووتر: "كانوا يسعون خلفى لابتعد عن الطريق ويهددوننى ويرهبونني، وكانوا يؤدون عملهم الذى يقبضون مرتباتهم عليه بطريقة تقاضوا عليها الأجر ويتخيلون كل من يمر عليهم وكأنه عدو يجب القضاء عليه، وكانوا يعطلون جهودنا للقضاء على التمرد".

وقال الجنرال كارل هورست نائب رئيس الوحدة الثالثة مشاة عن المرتزقة: "لقد عاثوا فى الأرض فسادًا ويقومون بأمور عابثة وطائشة ولا توجد سلطة عليهم ولا يمكن الضرب على أيديهم عندما يتصاعد العنف والقوة.. ويحدث ذلك فى كل العراق".

ظل هورست يتابع سلوكهم لمدة شهرين فى بغداد وسجل عشرات المرات من حوادث إطلاق النار على مدنيين عراقيين على يد المرتزقة وقتل 6 يوما وجرح 3 آخرين، وهذا ما قاله جنرال واحد فى منطقة واحدة فى العراق فى 60 يوما.

سلوك المرتزقة والقوات الخاصة يرسل رسالة واضحة للعراقيين: حياة الأمريكيين أهم بالتأكيد من حياتهم، حتى إذا كانت كل جريمة العراقى هى قيادة السيارة فى مكان وزمان غير مناسبين. لقد نجحت بلاك ووتر فى المهمة الموكلة لها ـ الحفاظ على حياة موظفى ومسؤولى أمريكا فى العراق، ولكن بأى ثمن؟

إنه ماض وتاريخ طويل وراء سلوك بلاك ووتر والمرتزقة كلهم من الشركات الخاصة فى العراق ـ إنها أفعال تحدث باسم الشعب الأمريكى ونقود الضرائب - ويجب على الكونغرس تقصى حقائق الأمر والتحقيق فيه. بالنسبة للعراقيين، المسألة تعتبر مسألة حياة أو موت. فى الصورة الأكبر، يجب أن يتساءل الكونغرس بكل جدية هل ربط الأرباح للشركات بالحرب يفيد مصلحة الأمة والعالم أم لا؟

ويدعو الكثيرون اللجان المعنية فى مجلس الشيوخ والبيت الأبيض لتستخدم قواتها لتجلب رؤوس الشركات الخاصة فى الحرب على الشهادة فى المحكمة ليتم مقاضاتهم وحسابهم لأنها تعمل بأموال الحكومة الأمريكية ويجب أن تواجه مسؤولية أفعال قواتها.

ولكن يصعب تصور ان هذه الدعوة ستلقى آذانا صاغية. فبماذا يحارب البنتاغون إذا لم يكن قادرا على الاعتماد على المرتزقة؟

وهؤلاء لماذا يحاربون إذا كانوا لا يحصلون على الحماية عما يرتكبونه من أعمال؟