قرار تخطيط الحدود مع الكويت باطل




جريدة المستقبل العراقية العدد (41) في 30/5/2011



كاظم فنجان الحمامي


ليس هناك أسوأ وأبشع وأغبى وأظلم من القرار (833) الذي تبناه مجلس الأمن عام 1993 في خطوة غير مسبوقة في تاريخ كوكب الأرض, إذ لم يسبق لمجلس الأمن أن تبنى قرارا جائرا متعسفا كهذا القرار, الذي استلب الحقوق المشروعة للشعب العراقي, واقتطع مساحات شاسعة من العراق منحها للكويت في ظروف استثنائية قاهرة, على الرغم من اعتراف رئيس مجلس الوزراء الكويتي نفسه في الثلاثين من تموز (يوليو) 1993 بتجاوز الكويت على مواقع آبار نفط الرميلة.
لذا وجدت أن واجبي الوطني يحتم عليّ تسليط الأضواء على نقاط الضعف والخلل في كل ما يتعلق بهذا القرار الظالم, وبيان تحيزه وبطلانه, وتوضيح الملابسات والاحطاء والهفوات, التي ارتكبتها اللجنة المكلفة بإجراء المسوحات الطبوغرافية والهيدروغرافية, وذلك من خلال النقاط التالية:-

• اعترض العراق بداية على تشكيل لجنة الحدود, ووثَّق اعتراضه بمذكرة بعثها وزير خارجيته إلى الأمين العام في الثالث والعشرين من نيسان (أبريل) 1991, بيَّن فيها عدم جدوى اللجنة التي لن تحقق الحد الأدنى من العدالة والإنصاف, ولم يحضر ممثل العراق الدورات الست, التي تم عقدها للمدة من 15 تموز (يوليو) 1992 إلى أيار (مايو) 1993, بدعوى أن مجلس الأمن يفتقر إلى الاختصاص القانوني للبت في مسائل الحدود, وكرر العراق اعتراضه هذا في ثلاث رسائل متوالية.
• أشار العراق في رسالته الموجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة إلى رفضه الوثيقة, التي استندت عليه اللجنة في القيام بأعمالها, وهي مسودة بروتوكول عام 1963, التي لم يصادق عليها البرلمان العراقي وقتذاك, وبالتالي فهي لا تعد ملزمة له.
• رفض العراق تفسير مسار خط الحدود جنوبي صفوان, متهما الكويت بتحريك مواقع التنقيب ومواقع قوات الحدود ومراكزها لأكثر من سبعين كيلومترا, وأبدى اعتراضه المطلق على الأدلة المساحية, ولم يعترف نهائيا بإحداثيات خطوط الطول والعرض.
• استندت اللجنة على خرائط قديمة تعود إلى العام 1932, رسمتها الشركات النفطية البريطانية الاحتكارية في الحقبة, التي كانت تبسط فيها هيمنتها المطلقة على منابع النفط, وكانت تلك الخرائط عبارة عن مخططات ركيكة, ومرتسمات سطحية تفتقر إلى الإحداثيات الصحيحة, وتنقصها البيانات الدقيقة, ولا يمكن الوثوق بها من النواحي الفنية والقانونية والدولية.
• استعانت اللجنة بخبراء منتخبين من الكويت والجزيرة العربية, وكانوا من المدنيين والعسكريين, ليس فيهم من يتعاطف مع العراق, وليس فيهم من كان يقف على الحياد, واستمعت اللجنة كثيراً إلى روايات الفئات الحاقدة على العراق وأهله, وأنجزت اللجنة معظم أعمالها في الأجواء والظروف المشحونة بالحقد والكراهية ضد العراق حكومة وشعباً, وكان ذلك في المدة القصيرة, التي أعقبت خروج القوات العراقية من الكويت مباشرة.
• كانت قرارات اللجنة تتخذ بأغلبية الأصوات وليس بالإجماع, وهكذا كانت توصياتها كلها لصالح الكويت, ومن دون أن يصوّت معهم ممثل العراق, الذي كان غائبا, بعد أن رفض المشاركة في أعمال اللجنة.
• وليس هنالك أوضح وأدق وأشجع من موقف رئيس اللجنة السيد (مختار أتمادجا) في فضح ضلالة مجلس الأمن, عندما قدم استقالته إلى المستشار القانوني للأمم المتحدة, والتي بيّن فيها أن تخطيط الحدود البحرية ليس من اختصاص اللجنة, ولا من واجباتها, وان الإحداثيات في قطاع خور عبد الله لم تجر الإشارة إليها لا في المرتسمات القديمة, ولا في الجديدة, وبالتالي عدم وجود أي تحديد للحدود البحرية يمكن أن تتخذه اللجنة سبيلا, وأوضح السيد (مختار أتمادجا) موقفه هذا في رسالتين موجهتين إلى الأمين العام نفسه, عبَّرَ فيهما عن وجهة نظره وتحفظاته على شروط صلاحية اللجنة, وأشار في رسائله إلى مناقشاته العديدة والمضنية مع المستشار القانوني حول صلاحية اللجنة ومآربها الخفية.
• طالب العراق بالاحتفاظ بمنفذه البحري الوحيد لتأمين خطوطه التجارية والملاحية المتصلة بموانئه التجارية المحتجزة بين مينائي أم قصر وخور الزبير, وجاءت مطالبته هذه برسالة وجهها وزير خارجيته إلى الأمين العام للأمم المتحدة في السادس من حزيران (يونيو) 1993, بيَّن فيها أن منطقة خور عبد الله لا ينطبق عليها وصف البحر الإقليمي وفقا لقانون البحار, وجاء في الرسالة: (ان الترسيم الحدودي الجديد يحرم العراق من امتلاكه السواحل البحرية), ولابد من الإشارة هنا إلى أن العراق لا يمتلك حاليا سوى (29) ميلا ساحليا محصورة في منطقة طينية ضحلة, وضيقة, وغير صالحة للملاحة.
• لا يحق لمجلس الأمن أن يفرض على دولة عضو تحديداً إجبارياً لحدودها البرية, ولا يحق له أن يفرض عليها حدوداً بحرية مغلقة ومعزولة, ويحرمها من نوافذها الملاحية المعتادة.
• لا يحق للأمم المتحدة أن تعترف بترسيم الحدود في ضوء ما توصلت إليه لجنتها المريبة, على الرغم من أن اللجنة نفسها لم تكن مكلفة بالترسيم, وإنما كانت مكلفة بالمسح والتعليم والتخطيط الابتدائي على اليابسة, ومن المواقف العجيبة, التي تبعث على الريبة والشك أن المستشار السياسي الأقدم للأمين العام للأمم المتحدة (الفارودي سوتو) كان على عجلة من أمره, وكأنه في صراع مع الوقت, عندما سارع إلى استدعاء رئيس اللجنة, وخبيرها, وأمين سرها يوم الاثنين 13 نيسان (إبريل) 1992, وطالبهم بضرورة انجاز هذه المهمة على وجه السرعة, ومن دون تردد, وهو تدخل سافر جاء على خلفية الطلب المقدم من ممثل الكويت الدائم في الأمم المتحدة, وبدون علم وحضور ممثلي الدولتين في اللجنة.
• لم يأخذ القرار (833) بنظر الاعتبار مسارات خط الثالوك في خور عبد الله, ولم يعتمد على النقاط العميقة للمجرى الملاحي المشترك بين البلدين, بحيث صارت الممرات الملاحية العميقة كلها من حصة الكويت وحدها.
• تعاملت اللجنة مع خور عبد الله وكأنه بحراً إقليمياً يفصل بين دولتين متشاطئتين, في حين لا تنطبق هذه الصفة على الخور, لا من بعيد ولا من قريب, لأنه عبارة عن حوض رسوبي ضحل تجمعت في المياه الداخلية المرتبطة بالبحر, يخترق هذا الحوض ممر ملاحي قليل الأعماق, ما اضطر الحكومة العراقية, منذ عام 1919, إلى تكريس جهودها لتعميقه وتهذيبه وتأثيثه بالعوامات والفنارات الملاحية, وواصلت الموانئ العراقية, منذ عام 1962 , تعميق ممره الملاحي الضيق, مستعينة بأسطولها العملاق, الذي يضم أكبر وأحدث سفن الحفر البحري, في حين لم يكن للكويت أي تواجد في هذه المنطقة, ولم يكن لديها أي نشاط يذكر.
• ارتكبت اللجنة حماقة ما بعدها حماقة عندما اختارت بعض المناطق الضحلة, التي تغطيها المياه بالكامل في المد والجزر, وتعاملت معها وكأنها مجموعة من الجزر الأرخبيلية, وذلك بهدف تزحيف خطوط الحدود المائية باتجاه ساحل الفاو, وضم المزيد من المسطحات البحرية للكويت, فوقع اختيار اللجنة على منطقة (فشت العيك), ومنطقة (رأس القيد) وهي من المناطق الضحلة الواقعة بمحاذاة الممر الملاحي لخور عبد الله عند العوامة (11).
• اعتمدت اللجنة في تقسيم خور عبد الله على قراءات المد العالي في المنطقة المحصورة بين ساحل الفاو وجزيرة بوبيان, وتجاهلت الخرائط الكنتورية لقراءات الجزر الواطئ, في خطوة خبيثة منها تستهدف إضافة المزيد من المساحات المائية إلى الكويت على حساب الحقوق العراقية, التي صادرتها اللجنة, ومن نافلة القول نذكر ان مياه المد العالي تغطي الأكتاف العريضة لمنطقة (رأس البيشة) جنوب الفاو, وهي منطقة طينية رخوة, شديدة الضحالة, تظهر عند انحسار الماء, وتحتفي في فترات المد, يطلق عليها محليا (مَرَكَّتْ عبد الله).
• تجاهل مجلس الأمن حق العراق في الوصول إلى البحر عن طريق ممره الملاحي الوحيد في خور عبد الله (خط الثالوك), وهو الحق الذي كفلته المواثيق الدولية كلها منذ الحرب العالمية الثانية, وكرسه ميثاق الأمم المتحدة ضمن ضرورات الاهتمام بتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية, وضمن ضرورات نشر مفاهيم الأمن السلام بين الأقطار المتجاورة, وضمنته الجمعية العامة في قرارها (2749) في السابع عشر من أيلول (سبتمبر) 1970, الذي نص على أن: (أطراف أي نزاع يتعلق بعملية استغلال البحار والمحيطات, أو أي نزاع آخر يتعلق بتحديد تلك المنطقة يجب أن تتم تسويته طبقا للمادة 33 من الميثاق).
• تجاهل مجلس الأمن حق المشاركة, الذي كفلته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار, والقائم على أساس الاتفاق, الذي يشكل العنصر الجوهري في تحديد المركز القانوني للدول المتضررة جغرافيا, وعمد إلى لغة الفرض والإلزام, التي لا يمكن لها أن تجدي نفعاً أو تدفع ضرراً, وطالب العراق بالرضوخ والإذعان التام للقرار وكأنه دولة مسلوبة الإرادة.

منتديات الفرات

كانت هذه ابرز الخطوات الجائرة, التي تجاوز فيها مجلس الأمن حدود اختصاصاته, وخرجت فيها الأمم المتحدة على بنود ميثاقها, وتدخلت المنظمتان تدخلا سافرا في شؤون العراق, فتجاوزتا كل شروط التدخل المعتدل, وتجنبتا مراعاة مبدأ المساواة القانونية, الذي كفلته المواثيق والعهود والاتفاقيات الدولية, وتجاوزتا مفهوم الاستقلال السياسي, ولم تحترما السيادة الوطنية للعراق, فتلاعبوا جميعا بحدوده ومنافذه وحقوله من خلال إصدار هذا القرار الباطل, الذي اقتطع مساحات شاسعة من ارض العراق ومياهه, وأهداها بالكويت, بمباركة القوى الاستعلائية الغاشمة, التي تعمدت غلق النافذة البحرية الوحيدة, التي يتنفس منها العراق, فحالت بينه وبين الوصول إلى البحر.
أن من يراجع النص الكامل لهذا القرار الظالم سيكتشف بنفسه كيف انحازت القوى الغاشمة إلى الكويت, وكيف تحالفت ضد العراق, وكيف وقفت مع الباطل في ظروف شاذة, سخرت فيها طاقاتها كلها لصناعة هذا القرار, فأخرجته بصيغته الاستعلائية القهرية الإلزامية, وتجاهلت تماما أنها تتعامل مع دولة عريقة, لن تتنازل عن سيادتها على أرضها ومياهها, وتناست أيضا أنها تتعامل مع شعب ينتمي إلى أقوم البلدان قبلة, وأوسعها دجلة, وأقدمها تفصيلا وجملة, ولن يرضخ أبداَ لمثل هذه القرارات الباطلة, التي تتنافى مع ابسط قواعد العدل والإنصاف, وتتقاطع مع متطلبات حسن الجوار. .