بدري حسون فريد

الفنان الكبير القدير بدري حسون فريد ولد في محلة العباسية بمدينة كربلاء 15نيسان عام 1927, كان والده خياطا يحب الموسيقى والأزهار وكل شيء ممتع وجميل , ويقال انه أول من ادخل جهاز كرامفون من بغداد إلى كربلاء ومنه صد حت أصوات مطربين عراقيين وعرب , وكان لوالده علاقة صداقة وثيقة مع والد الأستاذ الفنان حقي الشبلي , أي أن والد الفنان بدري كان جنديا عند والد الشبلي أيام ثورة العشرين , من خلال هذه العلاقة
توطدت علاقة والده بالفنان الشبلي نفسه
أول مسرحية شاهدها بمصاحبة والده كان عنوانها ( السلطان عبد الحميد ) عرضت في خان القطب في كربلاء سنة 1933 وعمره لا يتجاوز الست سنوات , وبعد أربع سنوات أي في سنه العاشرة من ذلك التاريخ (1937) شاهد في المدرسة الفيصلية مسرحية ( الطيش القاتل ) قدمهاالفنان قاسم محمد نور , وهذه المسرحية كان لها تأثيرا كبيرا من خلال تكوين شخصيته الفنية0عاش في بيت والده المتزوج من أربع نساء , بدا شعوره بحسا سية الآلام النفسية التي تعيشها الزوجات , والأطفال , جراء تسلط الأب 0كان واحدا من عشرين شقيقا يجمعهم بيتا واحدا , ومازاد في صعوبة الحياة في هذا البيت شخصية الأب – القهرمان كما يسميه بدري حسون فريد-
التي كانت تجمع بين القسوة والحنان 00 المحبة والأنانية 00 قوة الشخصية 00 وضعف الإرادة ومنذ صغره كان جسمه مرتعا لأمراض كثيرة امتصته حتى اقتربت به من الموت لذلك فقد نشا طفلا , خائفا , مرتعدا , يحس بالانهيار النفسي خلاصه الوحيد أن يهرب من البيت ومعاركه وهمومهومشاكله وقسوة الأب القهرمان ليلجا إلى الحدائق العامة يعيش مع اقرب شجرة أو نبته أو زهرة 00
الشيء الوحيد الذي استفاده بدري حسون فريد من حياته في ذلك البيت , حب والده للفن , وذوقه الفني الذي جعله يحرص على أن يكون بيته متحفا شرقيا أصيلا يضم مئات الصور واللوحات والتماثيل والديكورات , إضافة لاقتنائه مئات الاسطوانات الموسيقية 00 والغنائية باللغات العربية والفارسية والتركية والهندية 00 ليس هذا فقط وإنما كان حبه للفن يدفعه لحضور جميع عروض الفرق المسرحية التي كانت تزور كربلاء في الثلاثينات و أربعينات القرن الماضي وعلى الأخص
فرقة حقي الشبلي وعبد الله العزاوي ويحيى فائق وغيرها من هذه الفرق 00وكان بدري يحضر هذه العروض مع والده الذي كان يصطحبه معه لأنه كان يحبه كثيرا بالنسبة لأشقائه الآخرين 0
يقول بدري حسون فريد : (( منذ تلك الفترة أحببت الفن 00 وعشقته عشقا ملك على حياتي 00 لا ادري لماذا عشقت الفن هكذا وبقوة 00 ربما لأنني أردت التنفيس عن مشاعر الحرمان التي كنت أعيشها في طفولتي , أو الهرب من الدراما الحياتية التي كنت اشاهدها تمثل يوميا في بيتنا 00 اوربما للتعويض عن ضآلة جسمي , وضعف شخصيتي في طفولتي 00 اوربما كان الجو الديني , والطقوس التي تؤدى في عاشوراء بمدينة كربلاء وما كان يصاحبها من رفع المشاعل والأعلام الملونة , وترديد الأهازيج , وتمثيل مأساة الحسين 0هو الذي حرك خيالي الفني وأشعل في نفسي مشاعر الدراما وكون لي مخيلة درامية جعلتني ارتبط بالمسرح )) 0
بداياته الأولى رساما ونحاتا وكتابة الشعر والقصة والتمثيل وفي الآخر ترك كل تلك الفنون وانصرف إلى التمثيل 0عطاءه كثير ملأ الساحة العراقية من خلال وسائل الإعلام المختلفة ونوجز الحديث عن إسهامات الفنان بدري حسون فريد في الأنشطة المسرحية 0
شارك في معظم النشاطات الفنية في مدينة كربلاء حتى أنهى الدراسة الإعدادية وانتقل إلى بغداد طالبا في كلية الحقوق وفي بغداد عمل مع فرقة جمعية بيوت الأمة مع الأستاذ الفنان الراحل جعفر السعدي , مثل مسرحية القبلة القاتلة سنة 1946 و 1947 وعام 1950 – 1951 التحق بمعهد الفنون الجميلة وفي الوقت نفسه كان يزاول نشاطه الفني في الفرقة الشعبية للتمثيل مع الفنان جعفر السعدي , وجاسم العبودي والأخير كانت توجيهاته وملاحظاته ذات فائدة كبيرة له وكان العبودي
يعطيهم كل ما لديه وكانت عودته مبكرة من دراسته في الخارج في حينه 0
بعد تخرجه من معهد الفنون الجميلة بسنتين أي 1957 كون بدري حسون فريد مجموعة شباب الطليعة للتمثيل وقدم اعما لا عديدة 0في عام 1961 سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإكمال دراسته في جامعة شيكاغو – معهد
شيكاغو الفني – وحصل على شهادتي البكالوريوس والماجستير وكان ترتيبه الأول في دورته 0قدم هناك أعمالا عالمية وكبيرة على المسارح الأمريكية منها مسرحية ( الطريق إلى الهند ) شاركه في التمثيل الفنان الراحل إبراهيم جلال وكانت من إخراج المخرج الأمريكي جالرس ماكو ثم كان له دور البطولة في مسرحية برنادشو ( المليونيرة ) إخراج جون رايخ ومسرحية ( ألام الشجاعة ) إخراج سلوك , ثم مسرحية ( أنا كارنينا ) إخراج مدام ليان ومسرحية ( كريسيتفورسين ) إخراج رايخ بالإضافة لادوار كثيرة من مسرح الأستوديو 0
كانت أطروحة البكالوريوس إخراج مسرحية ( رحلة طويلة عن الوطن ) ليوجين اونيل , أما أطروحة الماجستير إخراج مسرحية ( الشارع الملكي )0
ومن شيكاغو عاد الفنان بدري حسون فريد عام 1965 ليدرس الإخراج المسرحي والتمثيل والصوت والإلقاء في معهد الفنون الجميلة ثم انتقل في عام 1970 – 1971 للتدريس في أكاديمية الفنون الجميلة 0
بعد عودته إلى العراق عام 1965 قدم العديد من الأعمال الفنية منها إخراج مسرحية عدو الشعب عام 1966 والساعة الأخيرة عام 1968 وبيت أبو كمال والجائزة عام 1969 والحصار عام 1970 – 1971 ومركب بلا صياد عام 1973 والجرة المحطمة عام 1975 والأشجار تموت واقفة عام 1977 , أما في مجال التمثيل فقد مثل دورا مهما في مسرحية الطوفان من إخراج الفنان الراحل إبراهيم جلال , أما اشهر مؤلفاته المسرحية , الجائزة , نشيد الأرض , السائل والمسؤول , درب الملايين , بضاعة عند الطلب , التقرير 00الخ
أما الأعمال التلفزيونية فكان يعتقد إن العمل فيها يصل الفنان إلى كل بيت وكل مكان وجدواه أكثر نفعا وأكثر انتشارا فقدم نفسه للشاشة الصغيرة كممثل منها : الحسن بن الهيثم , عزا لدين القسام , حلم ليلة شتاء , الأسود والأبيض , كتاب فصل , رسالة من بلادي , الذئب وعيون المدينة , النسروعيون المدينة , وأعمال أخرى كثيرة , إنها سيرة عقود من سني عمره تخللها العطاء الثر والكثير وقد نذر حياته للفن ابتدأها من قنديل المدن 00 كربلاء حيث النشوء إلى أقاصي العالم يعيش ألان الغربة في المغرب منذ عام 1998 , كرم من قبل دولة المغرب وأقيم له احتفال في قاعة مسرح ( باحنيني )التابعة لوزارة الثقافة المغربية بالرباط في 17 مايس 2005 وكانت له كلمة في الاحتفال : (( إن الذين شهدوا ظروف العراقيين في السنوات الماضية حكموا على عراقيي الداخل أنهم أبطال واو لئك الذين عاشوا ظروف الغربة من العراقيين فهم أبطال أيضا لأنهم استطاعوا أن يمدوا يد العون لإخوتهم وأهلهم في الداخل )) , ثم تحدث عن نفسه فقال (( إني أعيش منذ سنوات في حجرة وقال ضاحكا ومستدركا ( عفوا في حفرة وليست حجرة ) وهي ألماحة ذكية من الفنان بدري حسون فريد للظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها 0
ماهو موقف الدولة العراقية وخاصة وزارة الثقافة , أليس من الممكن الإيعاز إلى السفارة العراقية في المغرب لزيارته ومعالجة مشاكلة وإنهاء معاناته وإعادته إلى وطنة بعز وكرامة ,




بدري حسون فريد : مأساة عراقية في المنفى



تهتم الكثير من الدول في العالم بمبدعيها و مثقفيها لكن ما يميز وضعنا في العراق عدم الاهتمام بالمثقفين و المبدعين ، وصرف الكثير من الاموال و موارد الدولة على الامور لا تستحق الذكر ، تتفاخر الدول بنتاجها الثقافي و الحضاري و تعتز برموزها من الاحياء و الموتى .
أما في وطننا فهم يمهدون طريق الموت للثقافة و الابداع رغم ما يقال و يكتب او يصرح به ، فالمهيمنات الجديدة التي احتلت الشارع و الساحة السياسية ، ظلت تنظر الى الثقافة و الفنون نظرة ازدراء ، و محاربة اي توجه ثقافي انساني ، فهذه المكونات ( الثقافة و الفنون ) ، هي من ما يطلقون عليها بالمحرمات .
قبل ايام اطلعت في موقع فوانيس على نداء استغاثة يصور الحالة المزرية التي يعيشها احد عمالقة الفن العراقي وهو الاستاذ الجليل ( بدري حسون فريد ) ، الذي لا يغيب اسمه او صورته عن مخيلة الفرد العراقي ، كأحد الفنانيين المتميزيين والرواد.
وهذا هو مقطع مما كتب في موقع فوانيس دون اي حذف او تحريف :
(( نداء لانتشال الفنان بدري حسون فريد من وضع صحي ومعاشي خطير

يعاني الفنان بدري حسون فريد طيلة سنوات إقامته في المغرب ولحد الآن حالات عصيبة من العوز والحرمان والتدهور الصحي والحياتي المؤلم، دون أن يتشكى أو يتذمر لروح الإباء والأنفة التي جبل عليها، وكثيرا ما عرض عليه عراقيون مقيمون في المغرب مد يد العون لا عطفا بل واجبا لفنان قدم الشئ الكثير للمسرح العراقي ألا انه كان يرفض وبشدة مثل هذه العروض معتبرا أنها نوع من الصدقة التي لا يرتضيها على نفسه الكريمة رغم احتياجه الشديد للمال، مما جعلنا أن نقف مكتوفي الأيدي إزاء ما يعانيه،
وظل يكابر ويكافح طيلة هذه السنوات المريرة محروما من ابسط أوليات الحياة اليومية، فهو يسكن محلا مظلما ورطبا ودون أية مرافق تليق بالعيش الآدمي ولا يصلح حتى لسكن الفئران، ولكنه ارتضى به هروبا من قمع النظام الصدامي وطلبا لراحة البال التي يعتبرها أثمن واغلي واسعد من العيش الرغيد المندوف ببيع الضمير والنفاق السياسي والملاحقات البوليسية، مما اثر هذا السكن على وضعه الصحي الذي اخذ بالتدهور يوما بعد آخر، ناهيكم عن المبلغ الهزيل الذي يتقاضاه من المعهد العالي للمسرح في المغرب لقاء محاضرات يلقيها على الطلبة حيث لا يسد هذا الراتب رمقه ولا يكفيه للعيش لمدة أسبوع واحد لولا بعض المال الذي يصله من ولده،والذي يقبله على مضض.)).
نتمنى من السادة المسؤولين في وزارة الثقافة ( سنة وشيعة ) ، ان يطلعوا على هذا المقال و النداء معاً ، واتخاذ موقف وطني عراقي شريف لانقاذ ( فريد ) ، والحفاظ على ماء وجه الثقافة العراقية





.