السوبر حداثة : الحرية و النهضة
حسن عجمي
تعتبر الحداثة أن الكون محدد لذا من الممكن معرفته، بينما تقول
مابعد الحداثة أن الكون غير محدد ولذا من غير الممكن معرفته. لكن السوبر حداثة تختلف عنهما لأنها تجمع مابين إمكانية المعرفة ولامحددية الكون. نرتحل هنا إلى بعض عوالم السوبر حداثة ونظرتها إلى الحرية والنهضة.
الحرية
تكمن الحرية السوبر حداثية في أن يكون الإنسان غير محدد في ماهيته، وغير محدد في صفاته و هويته و في أفكاره و رغباته ومشاعره. هكذا يتمكن من خلق ذاته باستمرار فيتحرر بذلك من كل مايحدده.
بالنسبة إلى السوبر حداثة، اللامحدد يحكم العالم. تقول السوبر حداثة إن الكون غير محدد لكن رغم ذلك من الممكن معرفته لأن من خلال لامحدديته من الممكن تفسيره. مثل ذلك أنه من غير المحدد أية نظرية علمية هي النظرية الصادقة، لذا من الطبيعي أن توجد نظريات علمية عديدة كلها ناجحة في تفسير الكون رغم اختلافها وتعارضها كنظريتي النسبية لأنشتاين ونظرية ميكانيكا الكم. مثل آخر على تطبيق السوبر حداثة هو أن الإنسان غير محدد ماهو، لذا ينجح الإنسان في التأقلم والتكيف مع الظروف المختلفة فيتمكن من التطور والاستمرار على قيد الحياة. من المنطق ذاته، تعتبر السوبر حداثة أن الحرية كامنة في لامحددية الإنسان. فمتى كان الإنسان غير محدد، يتمكن حينها من التحرر من كل ما يحدده من داخله أو خارجه. حين يكون الإنسان غير محدد يستدعي ذلك ضرورة أن يحدد ذاته باستمرار، وبذلك يغدو هو المتحكم في خلق ماهيته وهويته وأفكاره ورغباته ومشاعره فيضمن حريته.
على هذا الأساس، تحل السوبر حداثة مشكلة فلسفية أساسية ألا وهي : إذا كانت الحرية كامنة في قيامنا بأفعال على ضوء أفكارنا ورغباتنا ومشاعرنا، إذن نبقى غير أحرار بسبب أن أفكارنا ورغباتنا ومشاعرنا محددة من قبل ماهو خارجنا كالمجتمع أو محددة من قبل النيورونات في أدمغتنا التي تتحكم فينا ولانتحكم فيها. وحل السوبر حداثة لهذه المشكلة الفكرية هو التالي:
بالنسبة إلى السوبر حداثة تحيا الحرية في أن نكون غير محددين ما يضمن أن نكون نحن من نخلق ذواتنا وأفكارنا ومشاعرنا ورغباتنا باستمرار وبذلك نتحرر منها. من هنا، و إن كانت أفكارنا ورغباتنا ومشاعرنا وذواتنا محددة من قبل المجتمع أو من قبل البيولوجيا، نحافظ على حريتنا لأننا تحررنا من ذواتنا وأفكارنا ورغباتنا من جراء أن نكون غير محددين. بكلام آخر، إذا كنت غير محدد من أنا فسوف أتحرر من نفسي وبذلك أتحرر من كل مايحددها أكان المجتمع أو التاريخ أو الجسد البيولوجي . هكذا لابد من أن نتحرر من أنفسنا أولاً لكي نتحرر من الآخرين ومن الأسباب الطبيعية المتحكمة فينا.
بالاضافة الى ذلك، كل من السوبر مستقبلية و السوبر أصولية تضمن الحرية لنا. بالنسبة إلى السوبر مستقبلية ، التاريخ يبدأ من المستقبل. مثل ذلك أن نحلل الحقيقة على إنها قرار علمي في المستقبل، ولأن الحقيقة قرار علمي في المستقبل، والمستقبل لم يتحقق بعد كلياً ، إذن لابد من السعي الدائم والبحث المستمر عن تحديدها، وبذلك نضمن استمرارية البحث المعرفي والعلمي، وهذه فضيلة معرفية. الآن، بما أن الحقيقة بالنسبة إلى السوبر مستقبلية هي قرار علمي في المستقبل، والمستقبل لم يتحقق بعد بل يعتمد علينا في تحقيقه ، إذن الحقيقة غير محددة ، وبذلك تعتمد علينا في تحديدها. هكذا تضمن السوبر مستقبلية تحررنا من الحقيقة. فالحقيقة محددة في المستقبل فقط لأنها قرار علمي في المستقبل، وبذلك تعتمد الحقيقة علينا كي نحددها مايضمن أننا نحن من نخلقها بدلاً من أن تخلقنا، وبذلك نضمن حريتنا.
من المنطق ذاته ، تؤكد السوبر أصولية على أن الأصول المعرفية والدينية محددة فقط في المستقبل، وبذلك هي غير محددة في الحاضر والماضي مايضمن تحررنا منها، بالنسبة إلى السوبر أصولية، نحن من نصنع التراث بدلاً من أن يصنعنا، وبذلك نتحرر منه دون أن نلغيه. لكن اليوم نحن سوبر متخلفون لأننا رفضنا العلم والمنطق، ونستخدم العلوم من أجل التجهيل. على هذا الأساس لا نستطيع أن نتحرر من سوبر تخلفنا إلا من خلال قبول العلم والمنطق ومشاركة الحضارة في إنتاج العلوم والأفكار الجديدة. حينها فقط تتحقق إنسانيتنا فنغدو أحراراً.
إذن هل المعرفة تحررنا ؟ هذا يعتمد على طبيعة المعرفة. فالمعرفة الغير محددة تحررنا لأنها غير محددة، مايدفعنا إلى الإستمرار في البحث عنها فنتحرر من يقينياتها المخادعة. العلم عملية تصحيح مستمرة ، وبذلك لايقينيات في العلم. من هنا العلم يحرر الشعوب فيبني الحضارات. أما إذا كانت المعرفة محددة فسوف تسجننا في يقينياتها، وبذلك يتعصب كل فرد لمعتقده. فنقع في السوبر تخلف. من هنا المعرفة المحددة تقتل الحرية، أما المعرفة الامحددة فتضمن الحرية. بالنسبة الى السوبر حداثة، المعرفة غير محددة ما يستدعي تحديدها من قبلنا نحن وبذلك نتحرر من يقينياتنا الكاذبة.
النهضة
لكن ماهي النهضة وكيف من الممكن خلقها ؟ تجيب السوبر حداثة بأن النهضة تحيا في اللامحدد، وسيتم تكوينها من خلال اعتماد اللامحدد في التصرف والتفكير.
بمعنى آخر ، الشعوب التي تمر في حالة النهضة هي الشعوب التي يسيطر اللامحدد على أفعالها وفكرها. بالنسبة إلى السوبر حداثة اللامحدد ينجح ويبقى،أما المحدد فيفشل ويزول . هذا لأن الشيء غير المحدد يتمكن من التكيف والتأقلم مع المتغيرات المختلفة لكونه غير محدد، وبذلك يضمن نجاحه واستمراره ما يجعله يحقق نهضته، أما المحدد ولكونه محدداً لايتمكن من التكيف مع المتغيرات المتتالية، وبذلك يفشل في تحقيق أي نجاح و استمرار مايؤدي الى تخلفه وزواله.
تتصف الظواهر النهضوية بأنها غير محددة ما يجعلها قادرة على الاختلاف والتكيف والنجاح. فمثلاً، عندما يكون العلم غير محدد ما هو، حينها ينشأ الجدل المستمر حول ما العلم؟ ما يدفع الأفراد نحو أن يصبحوا علماء وفلاسفة يناقشون مسألة ما العلم . هكذا من خلال لامحددية العلم واعتباره غير محدد تنمو طبقة العلماء والفلاسفة التي لا غنى عنها كي توجد النهضة. من المنطلق ذاته، عندما يكون النظام السياسي والاقتصادي غير محدد ما هو وما يجب أن يكون ، لابد حينها أن تزدهر مناقشة ما النظام السياسي والاقتصادي الأفضل، فتنمو بذلك طبقة الساسة والمفكرين الاجتماعيين الضرورية لقيام النهضة. وهذا ما يصدق ايضاً على الظواهر المختلفة. أما إذا كان من المحدد ما العلم وما النظام الأفضل حينها لن يدور أي نقاش ولن يحدث أي اختلاف حول ما هو العلم وما هو النظام الأفضل ، وبذلك تسود الدكتاتورية ويسيطر الغيب. لامحددية الظواهر تدفع نحو تحديدها ما يخلق التنوع والاختلاف في الفعل والفكر الإنساني، وما يضمن بدوره حرية التصرف والتفكير. فلا نهضة من دون علم وحرية . ولا علم ولا حرية في ظل سيطرة المحدد . فاذا كان من المحدد ما المعرفة مثلاً حينئذٍ ما علينا سوى أن نأخذها من هذا المصدر أو ذاك، وبذلك يتوقف بحثنا عنها وتموت العقول .لا محددية الإنسان أساس إبداعه وحريته. وحده المحدد قاتل الإنسان لأن إنسانية الإنسان كامنة في لامحدديته.